اطرد مديرك!

اطرد مديرك!

حدثني وفي عينيه حزن و أسى فقال:

لم تكد تسعني الأرض من الفرحة عندما تلقيت عرض العمل من تلك المؤسسة الكبيرة التي يتمنى أي شخص أن يعمل بها، وأحسست أن حلمي تحقق في أن أمارس كل ما تعلمته ممارسة علمية في بيئة احترافية تزيدني علماً وتدفع بمستواي المهني إلى الأعلى، علاوة على ذلك فالراتب المقترح كان أكثر مما توقعت وكان هذا أفضل ما يمكن أن أحلم به فعلاً

أما اليوم وبعد مضي عامين، جئت استشيرك في هل أتابع العمل فيها أم لا؟

سألته مالذي حدث و لماذا بعد ما تحقق حلمك تفكر في ترك العمل؟ فأجاب:

مديري يا أستاذ، حطم كل طموحاتي، وبدلاً من أن أتعلم أكثر و أنضج أكثر، أجدني اليوم أقل علماً و فهماً و مهارة من يوم انضممت إلى هذه المؤسسة، وسنتي الخبرة التي يفترض بها أن تزيدني ولا تنقصني كانت بالعكس تماماً عبئاً علي جعلني أتراجع بدل أن أتقدم.

اليوم أستيقظ صباحاً وجل تفكيري في الأزمات التي أواجهها في العمل و كيف أقوم بحلها، وفي مديري الذي يعطيني كل ساعة عدة أوامر تتناقض في كثير من الأحيان مع بعضهاً، ثم يلومني فوق ذلك على التأخر في الإنجاز، وفي الفريق الذي يعمل معي والمشوش فيما يجب فعله أو لا يجب فعله.

تخيل يا أستاذ أن مديري يفخر بأننا نعيش حالة دائمة من إدارة الأزمات، ويعتقد أن هذا دليل على مرونتنا في التعامل مع المتغيرات بسرعة، وهو مثلاً لا يرى مانعاً في أن يرسل لي بريداً الكترونياً في الساعة الثالثة صباحاً يطلب فيه إنجاز تقرير وتقديمه الساعة الثامنة صباحاً، وكأنه يتوقع أنني لا أنام أو أنه ليس لدي عائلة لأرعاها و أقضي معها بعض الوقت.

وإذا حصل و تصرفت من تلقاء نفسي لأمر لا يستأهل عناء إطلاعه عليه كإرسال بريد الكتروني مثلاً، تأفف و تضجر و قال لي لم تطلعني عليه قبل الإرسال و كان يفترض بك أن تكتب كذا بدل كذا!

اليوم استنفذت كل قواي و لم يبق لي إلا خيار واحد، أن أترك المؤسسة التي أحبها و أؤمن برسالتها، لأنني لم أعد أستطع أن أتحمل المزيد من مديري، فهل تراني محقاً أم أن ما أعيشه هو أمر اعتيادي و تحد من تحديات العمل التي يجب أن أتقنها و أتعود عليها؟

نظرت إليه و بلا تردد قلت له يا عزيزي اطرد مديرك!

المدير الذي يعتقد أن إدارة الأزمات الدائم هو الشيء الطبيعي، لا يفقه في إدارة الأزمات شيئاً، فالأزمات هي الحالة الاستثنائية التي يفترض بالمدير الجيد عدم الوصول إليها أساساً، ولو كان يخطط بشكل جيد، لما لزمته إدارة الأزمات بتاتاً

المدير الذي لا يفوض، يعني أنه لا يثق بفريقه و بالتالي لن يمنح هذا الفريق فرصة النمو و التعلم و بالعكس سيسلبهم كل ما تعلموه و يزيدهم إحباطاً

المدير الذي لا يهتم بصحتك النفسية و لا يطمأن على أنك تعيش حياة متوازنة بين العمل و الأسرة، ويتركك تعاني الإحتراق الوظيفي، لا يستأهل منك أن تضحي بأسرتك في سبيله، حتى لو أعطاك راتباً ضخماً تصرفه على علاجك في المصحات النفسية.

ذكرت مرة في إحدى مقالاتي أنه يتعين على طالب العمل أن يقوم هو أيضاً بطرح الكثير من الأسئلة قبل قبول العمل، ولعل من أهم هذه الأسئلة المدير و أسلوب الإدارة في المؤسسة التي يتقدم لها.

معظم من يتركون العمل لا يتركون المؤسسة التي يعملون فيها حقيقية بل يتركون مدراءهم بعد أن يأسوا من أن يستطيعوا التعايش معهم.

عزيزي المدير، إذا كنت من المدراء الذين يمارسون ما أشرت إليه في الأعلى فأنت تخسر أهم ما لديك، تخسر مواهب دفينة و احتراماً و عملاً احترافياً، ولعلك أيضاً في يوم من الأيام تخسر عملك بسبب ما تسببه من خسائر للمؤسسة.

تركز المفاهيم الجديدة في الإدارة على القيادة ومن أهم صفات القائد أن يعتني بفريق العمل و يعمل على نمو مهاراتهم و يفوض لهم، ولهذا نركز على المفاهيم من مثل القيادة بالخدمة servant-leadership و تنمية المهارات القيادية لدى الفريق emergent leadership، فاجعل ذلك نصب عينيك إن كنت تريد أن تكون مديراً ناجحاً.

ولعلك تساءلت عزيزي القارئ بينك وبين نفسك، لماذا طلبت من هذا الشخص أن يطرد مديره وليس أن يترك العمل وهل هناك فرق بين الاثنتين والجواب بالطبع يوجد فرق، فما هو برأيك؟

أرسل تعليقك