ماذا تعلمنا الصلاة إداريًا؟

ماذا تعلمنا الصلاة إداريًا؟

قبل نحو عشرة أعوام وفي أحد اجتماعات العمل، حثنا المدير -غير المسلم- على الالتزام بمواعيد الصلاة، قائلًا إنه يجد أن الالتزام بمواعيد الصلاة طريقة عظيمة لتنظيم وإدارة الوقت. ولعلك تعلم عزيزي القارئ أن الأساس في عملية إدارة الوقت هو ترتيب الأولويات، فإذا تخيلت يومك، البالغ ٢٤ ساعة، وعاءً، وأردت أن تستثمر هذا الوعاء بأقصى درجة ممكنة، فإنك عادة تضع الحصى الكبيرة في هذا الوعاء، ثم الرمل، ثم تسكب فيه الماء حتى تضمن أنه امتلأ إلى أقصى حد ممكن. ما كان يقترحه إذن المدير هو أن تثبت أوقات الصلاة في جدولك اليومي ثم تنسج باقي أعمالك وأشغالك حولها، وطبعًا ستجد بالفعل أن هذا الكلام صحيح تمامًا.

 

تذكرت هذا الكلام اليوم، وأنا أقرأ خاطرة لأحد الأشخاص على صفحات التواصل الاجتماعي، يتعجب فيها من كيف تستطيع الصلاة أن تنظم آلاف البشر في دوائر منتظمة حول الكعبة في الحرم المكي وذلك خلال زمن لا يتجاوز عادة الدقيقة الواحدة.

 

استجمعت أفكاري، لعلي أرى مناحي أخرى تعلمنا إياها الصلاة غير المناحي الروحية التي تتعدى فوائدها بكثير أي مناح دنيوية ولا شك، مع العلم أن بضاعتي في العلم الشرعي مزجاة، فظهر لدي حقيقة أمور تدعو للتأمل والعجب، أشارككم فيها:

– تؤصل الصلاة تأصيلًا جذريًا للمساواة الاجتماعية، فقد يؤم القوم أقلهم مكانة أو أفقرهم أو أحدثهم سنًا لا فرق، كما يصطف في الصف الواحد الغني والفقير والعربي والأعجمي والرجل والصبي، لا يأنف أحدهم من أحد ولا يتعدى أحدهم على مكان أحد.

– تُفرض الصلاة بشروط (الإسلام والعقل والبلوغ) ويجوز إلحاق الصبية بها للتدرب عليها، ويُشترط لأعضاء الفريق شروط ومهارات يجب أن تتحقق، مع إمكانية إلحاق من لا يحقق هذه الشروط بغرض التدريب.

– تؤصل الصلاة لمفاهيم القيادة بشكل يدعو بالفعل للتأمل، عن طريق النقاط التالية:

  • يؤم القوم أقرأهم وأفقههم، فالقائد يجب أن يكون أفقه الناس بالعمل المنوط بالمجموعة، كما أنه المخول الكلام باسمها (والمقصود هنا طبعًا مناجاة رب العالمين) ولذا سن أيضًا أن يكون أحسنهم هندامًا ورائحة والتزامًا بهدي النبي صلى الله عليه وسلم.
  • يتوجه المصلون كلهم إلى نفس القبلة، وكذلك يتوجب على الفريق مع قائده التوجه نحو هدف واحد، ولا تكون أهدافهم متناحرة ومبعثرة.
  • يلتزم المأمومون بمتابعة إمامهم، في حركاته وركوعه وسجوده، طالما لم يخل بركن من أركان الصلاة أو يأتي بناقض من نواقضها، حتى ولو سها فقام مثلا من الركعة الثانية إلى الثالثة دون أن يقعد للتشهد يتابعه المأمومون، مع محاولة تنبيهه عن طريق التسبيح، فإن أصر وجبت متابعته، وفي هذا دلالة على وجوب متابعة القائد حتى لو أخطأ، ما لم يكن خطأه مخلًا بركن من الأركان التي اتفق عليها الفريق، مع قيام الفريق بالنصيحة، لكنهم يلتزمون فيما بعد بقرار القائد، وهذا ولا شك من المبادئ القيادية المتفق عليها.
  • قد يؤم القوم من هم له كارهون، ومع ذلك أُمر المأمومون، بالاقتداء والمتابعة لما فيه من النفع العام وتغليب الصالح العام ودرء المفاسد المقدم على جلب المصالح وعلى ذلك نقيس من يكره مديره أو قائده أو يراه ليس الشخص الأكفأ ومع ذلك يُطلب منه المتابعة والإجابة.
  • يقوم المسبوق “الشخص الذي فاته جزءًا من الصلاة” أيضًا بالمتابعة الفورية للإمام، ثم بعد أن ينتهي الإمام يقضي ما فاته، وفي هذا أيضًا دليل على تقديم الالتزام بمتابعة القائد، على المصلحة الشخصية.
  • إذا فسدت صلاة الإمام، كأن انتقض وضوءه، وجب عليه أن يقدم غيره وينصرف لتجديد وضوئه ووجب على المأمومين متابعة الموَكّل، فإذا استطاع الإمام الأول أن يلحق بالجماعة فعل، وفي هذا إرشاد لوجوب تنازل القائد لغيره إن علم أنه لا يصلح للقيادة ومتابعة الموَكّل، ومتابعة الآخرين له كذلك.
  • إذا كانت الصلاة جهرية، وجب على المأمومين الاستماع، لقراءة الإمام وعدم القراءة، فإن أخطأ في قراءته جاز لهم تصحيحه، فإن لم يأخذ بتصحيحهم وجبت له المتابعة مع ذلك، وهكذا إذا تكلم القائد ممثلًا عن فريقه وجب على الآخرين الإنصات وعدم المقاطعة، مع جواز التصحيح اللطيف والمتابعة مع ذلك.
  • لا ينصرف المصلون حتى ينصرف الإمام، وكذلك لا يترك أعضاء الفريق العمل حتى يعلن القائد انتهاءه.

 

هذا ما جاء في خاطري في لحظات، وكما قلت فبضاعتي في العلم الشرعي مزجاة، ولعل من الإخوة من هو أقدر مني على الإضافة والتصحيح والإثراء ونحن لا زلنا نتعلم من ديننا الكثير، فمرحبًا بمشاركاتكم.

 

Comment ( 1 )

  • محمدديب العبد الله

    اللهم لك الحمد على نعمة الاسلام

أرسل تعليقك