لماذا أستثمر؟

لماذا أستثمر؟

أثناء عملي في المملكة العربية السعودية تعرفت على الكثير من الأشخاص الملهمين في مجال الأعمال، ويحضرني اليوم تحديداً أحد الأصدقاء ممن وسع الله عليهم في رزقهم حتى بلغوا منزلة أصحاب الثروات، إذ قال لي في جلسة صفاء، قاعدتي في العمل كمستثمر أن أقسم أموالي ثلاث أثلاث. ثلث أستثمره في عمل أقوم أنا عليه، وثلث أعطيه لغيري كي يستثمره لي في عمل يقوم هو عليه وثلث أتمتع به ويحميني من صروف وتقلبات الدهر.

 

و مع أنني شخصياً لم ألتزم بهذه القاعدة بحذافيرها لظروف عديدة إلا أني أرى فيها من الحكمة والرؤية البعيدة الكثير وفائدتها لا تعود عليك وحدك بل على كل المجتمع، فعندما تستثمر ثلثي مالك في أعمال جديدة فأنت تخلق فرص عمل وتنوعا في الاقتصاد، وعندما تعطي ثلث مالك لشخص تثق به يستثمره لك فأنت تعطي الفرصة لرواد الأعمال ممن لا تتوفر لديهم رؤوس الأموال أن يحققوا أحلامهم ويخلقوا أيضاً فرص عمل تعود بالنفع على المجتمع ككل.

 

كنت أناقش هذه النقاط مع بعض الأصدقاء منذ بضعة أيام، عندما اعترض أحدهم قائلاً وكيف لي أن أثق بشخص في هذه الظروف الصعبة فأسلمه ثلث مالي؟! وبالفعل كثيراً ما سمعنا عن حوادث التلاعب من قبل أشخاص ممن جمعوا الأموال ثم اختفوا في غمضة عين ولم يعثر لهم على أثر.

 

أولاً عزيزي صاحب المال، إن كنت تنوي أن تبقي مالك مجمداً في البنك بدون استثمار فأنت ممن يبطئون عجلة الاقتصاد وربما يساهمون في تكوين أزمة اقتصادية، قد تمتد حتى تطالك أنت شخصياً والبنك الذي تضع فيه أموالك بل والشركة التي تعمل بها، ذلك أن سنة الله تقتضي أن تتدفق الأموال بين الأشخاص والشركات حتى تدور عجلات الاقتصاد ويتحقق النمو.
ثانياً، إن كنت تنوي أن تستثمر مالك كله في عمل تقوم به، فأنت كما يقال تضع البيض كله في سلة واحدة فلو لا قدر الله فشل هذا العمل خسرت كل أموالك.

ثالثاً، من القواعد المعروفة في العمل أنه ترتفع الأرباح بارتفاع المخاطر وتقل الأرباح عندما تقل المخاطر والمثل العربي يقول “ما فاز إلا الجسور” فإن كنت تبحث عن الأرباح فلا بد من اتخاذ بعض المخاطر، وأنا لا أشجعك هنا أن تكون كالمقامر الذي يلقي ماله جزافاً في كل ناحية ويكون احتمال ربحه ربما واحد بالمليون، ولكن أدعوك إلى اتخاذ ما نسميه المخاطر المحسوبة Calculated Risks أي تدخل في المشروع والعمل وأنت مدرك تماماً وقمت بدراسة المخاطر التي يمكن أن تقع ووضعت خطتك في التعامل معها.

رابعاً، تسليم رأس مالك لشخص ما كي يستثمره لك فيه مخاطر، فهل تعاملت مع هذا الشخص سابقاً واختبرت أمانته أو تستطيع أن تصل إلى من تعامل معه واختبر أمانته؟ هل هذا الشخص يملك بالفعل من الخبرة الإدارية ما يمكنه من القيام بهذا العمل؟ هل قام هذا الشخص بإعداد خطة عمل وعرضها عليك متضمنة خطة لإدارة المخاطر واستراتيجيات الخروج، ووجدتها بالفعل مقنعة وشاملة؟ ثم ما هو دورك في العمل هل سيقتصر على رأس المال أم أنك سوف تشترط مقعداً في مجلس الإدارة لمتابعة العمل ومساعدة هذا الشخص في التركيز ومنع الانحراف عن الأهداف المرسومة؟

و لعل الكثير منكم أيها الأخوة سمع بما يسمى المستثمر الملاك Angel Investor وهو عادة رائد عمل Entrepreneur كون ثروة لا بأس بها من عمله ثم اتجه إلى مساعدة غيره من رواد الأعمال سواء بالاستثمار في أفكارهم أو بمساعدتهم بخبرته الإدارية على النجاح في تحقيق أفكارهم.

 

هل تعلم عزيزي أن هذا المستثمر الملاك، يدرك بخبرته أن 9 من كل 10 أعمال يستثمر بها مصيرها الفشل؟!

لا تستغرب، فهو ينتظر فقط أن ينجح العاشر، إذ أن نجاحه سوف يغطي كل الفشل وربما يكون ثروة جديدة لديه يعيد استثمارها في أفكار جديدة وهكذا، وحقيقة هذا أيضاً ما تفعله الشركات الاستثمارية Venture Capitals والتي أمدت الشركات العالمية في لحظة معينة برأس المال اللازم لانتشارها وامتدادها السريع ولو بحثت لوجدت أن خلف كل شركة عملاقة، شركة استثمارية أو أكثر، على أن التعامل مع المستثمر الملاك له ميزاته، من حيث سهولة التعامل وإمكانية الحصول على دعمه في المراحل المبكرة من المشروع وعدم وجود الاشتراطات الرقابية الكثيرة، وبالتالي قد تبدأ تمويل مشروعك من مستثمر ملاك ثم تصل إلى الحد من النجاح الذي يجعلك تطرحه على الشركات الاستثمارية، وقد يكون هذا في حد ذاته هدفاً للمستثمر الملاك إذ عند هذه النقطة يبيع حصته للشركة الاستثمارية بأضعاف مضاعفة طبعاً عن المبلغ الذي استثمره.

 

تذكر في النهاية عزيزي أن عالم الأعمال فيه ربح وخسارة، فإذا لم تكن مستعداً لقبول الخسارة بنفس استعدادك لقبول الربح، فلعله لا يتوفر لديك بعد الشخصية الاستثمارية الناجحة، وتذكر أيضاً أن الله ثالث الشريكين، كما ورد في الأثر، ما لم يخن أحدهما صاحبه.

نسأل الله لكم التوفيق في أعمالكم واستثماراتكم ودمتم بود.

 

2 تعليقان

  • محمد بشار

    جميل ومفيد جدا المقال . جزاك الله خيرا استاذ بيهس

أرسل تعليقك