بيع السعادة

بيع السعادة

كم تدفع عزيزي القارئ لقاء كل مما يلي؟:

  1. ضحكة عالية جداً من طفلتك المدللة
  2. نظرة مليئة بالحب من زوجتك الغالية
  3. عناق شوق وامتنان من ابنك الحبيب

أريد اليوم أن أتكلم عن بيع السعادة، ولا أظن أن فينا من ينكر أن تاجر السعادة لا يخسر، ولكي أوضح أكثر فأنت بلا ريب مستعد لدفع أي مبلغ –تقريباً- مقابل دمية قد لا تكلف في الحقيقة إلا مبلغاً  تافهاُ لتسمع تلك الضحكة الغالية من طفلتك، وأنت مستعد لتدفع أي مبلغ مقابل تلك الوردة الحمراء التي ترسم تلك النظرة المليئة بالحب في عيني زوجتك وأنت مستعد أن تدفع أي مبلغ لذلك الجهاز الالكتروني الذي يجعل ولدك ربما يقفز فرحاً عندما يلمحه في يديك.

ولو تمعنا في الأمر جيداً لوجدنا أن كل ما نشتريه بشكل أو آخر يحتوي على شيء من السعادة المنشودة و المفقودة التي لازلنا نبحث عنها منذ الأزل. فالسيارة الفخمة والجهاز النقال الحديث، يعطينا شعوراً بالسعادة أمام أقراننا، و الأدوات المنزلية نشتريها لكي نقلل عبء ربة المنزل فتزداد سعادتها، كما أننا ندفع أقساط المدارس العالية، لأننا نتصور أن نجاح أطفالنا فيها سيكون مصدر سعادة لهم في المستقبل وحتى فنجان القهوة الذي نشتريه بثمن باهظ في المقهى الفاره نشتريه كي نشعر بسعادة احتسائه وخاصة عندما يكون ذلك مع الأصدقاء. ولكني دعني أتوقف قليلاً هنا و أسال نفسي و أسألك، هل كل تلك الأمور ستجلب فعلاً السعادة لك؟ وأليست تلك السعادة المشتراة بأعلى الأثمان سعادة مؤقتة لا تلبث أن تزول فتبحث طفلتك عن دمية جديدة، ويبحث ابنك عن جهاز جديد و تبحث زوجتك عن عقد جديد وتبحث أنت عن سيارة جديدة؟!

لا أدري حقيقة إن كان المتخصصون في إدارة المبيعات قد سبقوني إلى هذا المفهوم –بيع السعادة- و أتمنى بالفعل أن لا يساء استخدامه لتحقيق أرباح جشعة بالعزف على أوتار سعادة فارغة ومؤقتة يبيعونها لكل باحث عن السعادة

بيع السعادة تجارة لا تخسر ولكنها كأي تجارة يجب أن تخضع للأخلاقيات وإلا انقلبت تلك السعادة المؤقتة عند الكثيرين إلى هم وحزن و تعاسة عندما لا يستطيع الفقير أن يشتري لابنته تلك الدمية أو لابنه ذلك الجهاز الالكتروني، الذي روج له أنها أشياء تحقق السعادة.

أما أنت أيها الباحث والمستهلك للسعادة، فانتبه جيداً وعلم أولادك ومن حولك أن السعادة ليست فقط بالأمور المادية. علمهم أن السعادة الحقيقية لعلها تكون في آية من القرآن نحفظها أو ركعة نصليها أو صوم يوم شديد الحر لقاء سعادة وعدنا بها أزلية لا تنقضي.

ولعل من أسعد السعادة أن تقدم السعادة لمن حولك مجاناً، فتبذل للفقير و المحتاج و المسكين وعندها حدثني عن السعادة التي تلمحها في عينيه عندما تقضي عنه دينه أو تداوي ابنته أو تفك أسره أو تجد له عملاً

نظرت في القرآن الكريم فوجدت أن السعادة لم تذكر أبداً في أي معرض دنيوي و إنما ذكرت فقط في معرض الحديث عن الآخرة في قوله تعالى ۞ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ۖ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (108) سورة هود

اللهم اجعلني و من قرأ هذه الكلمات من السعداء في الدارين، ولا تكتمل سعادتي إلا بدعاء منك قارئي العزيز في الغيب لعله أن يكون متقبلاً

Comment ( 1 )

  • فادي جاموس

    كلام رقيق دقيق سلمت أناملك يا غالي

أرسل تعليقك