هل تريد أن تصبح مدربا؟ اسمع إذن

هل تريد أن تصبح مدربا؟ اسمع إذن

يبتسم الشاب الوسيم والأنيق في وجهي ويقول، أريد أن أصبح مدربًا، فلا أدري أعزيه أم أهنئه، وتعود بي ذكرياتي إلى حوالي عشرين سنة عندما ابتدأت هذه المهنة السهلة الممتنعة، عندما قررت ومجموعة من أصدقائي -طلاب الهندسة- أن نفتتح مركزًا تدريبيًا للتدريب على علوم الحاسب الآلي في صيف 1997 كما أذكر، وهكذا وجدتني شيئًا فشيئًا أتدرج في هذه المهنة بما لها وما عليها. أقول ذلك وأنا أعلم أنه اليوم يتنافس ربما الآلاف من الأشخاص الذين يصفون أنفسهم بصفات عديدة كالمدرب العالمي، والمدرب الممارس والأستاذ الدولي وكثير من الألقاب المقبولة وغير مقبولة، يتنافسون على الدخول في هذه المهنة حتى أصبحت مرتعًا لكل غث وسمين وأصبحت تجد “مدرب الشنطة” الذي يستطيع أن يستخرج لك من حقيبته السحرية أي كورس ليقوم بالتدريب عليه، و”المدرب النسخة” الذي يحاول أن يستنسخ مدربًا آخر معروفًا فينسب نفسه إليه ويلصق صورته بصوره، و”المدرب الشهادة” الحاصل على عشرات الشهادات في مواضيع لا يكاد هو شخصيًا يذكر كيف ومتى حصل عليها، وهلم جرًا من أشياء تشعرني شخصيًا أحيانًا بالحسرة وأحيانًا أخرى بالسخرية.

 

دعونا نتفق أولًا أن التعليم عمومًا والتدريب خصوصًا من أفضل وأجل المهن على الإطلاق، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول “إنما بعثت معلمًا” ولو نظرت في سيرة أي أمة من الأمم المتقدمة في عصرنا الحالي، لوجدت أن الطريق الواحد الذي سلكوه هو طريق التعليم والتدريب، ودعونا نتفق أيضًا أن للمعلم عمومًا المكانة المرموقة عند الكثير من الأمم، وكثير من الأمثال جرت على ذلك مثل: من علمني حرفًا كنت له عبدًا، وقم للمعلم وفه التبجيلا، بل لعلنا إذا سألنا أنفسنا من هو الشخص الذي وضع بصمة في حياتنا لا ننساها، لتبادر إلى ذهننا أحد المعلمين ممن أخذنا عنهم ما نفعنا وينفعنا.

 

لذا، فإني لا ألوم أحدًا على رغبته في أن يصبح معلمًا أو مدربًا أو أستاذًا، فحقيقة هذا هدف نبيل وجليل، وهو أيضًا شيء مجزٍ ماديًا ومعنويًا، وأنتم تعلمون أنه من المدربين والمعلمين اليوم من يتقاضى عن يومه التدريبي أضعاف ما يتقاضاه الطبيب والمهندس والمحامي.

 

لكن كما لهذه المهنة جاذبيتها الخاصة، هنالك أيضًا بعض المحاذير التي يجب أن تعرفها، فعلى سبيل المثال، فشلك لا سمح الله في توضيح او إيصال المعلومة، قد يضعك بسهولة تحت مجهر السخرية والانتقاد اللاذع وخطأك في أحد الأمور التي تعلمها للناس قد يدمر مستقبلك المهني بكل بساطة، عدا طبعا الفشل الأخلاقي الذي قد يتكون لديك وما يترتب عليه من الحسرة والندم بعد ذلك، وكثير منا يذكر معلمه السيء، ربما أحيانًا بأكثر مما يذكر المعلم الجيد، وحتى عندما تكون مدربًا ناجحًا فهنالك من يقع في فخ العُجُب وحب الشهرة والمال ولعل عواقب هذه الأمور أسوأ ربما مما سبق ذكره، لذا دعني أيها الشاب أحاول أن ألخص لك نصيحتي، كي تكون مدربًا ناجحًا مما تعلمت في هذه السنين العشرين:

  • لن تصبح مدربًا ناجحًا ما لم يتوفر لديك شرط أساسي ومهم جدًا وهو “الشغف” وأقصد به أن تكون شغوفًا في إيصال المعلومة لمن حولك، وإذا أردت أن تعرف هل هذا الشغف موجود لديك أم لا فالأمر بسيط، ارجع إلى أيام الصبا عندما كنت مع أقرانك في المراحل الابتدائية، هل كنت تستمتع بشرح الأفكار لهم؟ هل كنت تمثل دور المعلم؟ هل كنت ممن يستمتعون بمساعدة أصدقائك من الكسالى الذين يتهربون من كتابة الواجب فتقوم بكتابة الواجب عنهم ومحاولة شرحه لهم، غالبًا ستجد جذورك هناك، واليوم عندما تقف أمام جمع من الناس هل أنت مستعد ومستمتع بالإجابة عن أسئلتهم وتوضيح ما خفي لهم، أم أن همك الأساسي هو أن تدق ساعة نهاية المحاضرة؟ الشغف يأتي أولًا يا صديقي.
  • هل تريد أن تكون مدربًا ناجحًا إلى الأبد؟ لا بد أن تكون أخلاقيًا. الكثير من المدربين سطع نجمهم وعلا في فترة من الفترات فأخذتهم شهوة المال والشهرة فما لبث الناس أن انفضوا عنهم. ليكن في يقينك أن هذه المهنة تلزمك بأن تكون أخلاقيًا قبل أي شيء آخر، مثلها كمثل مهنة الطب، ولعل الله سبحانه وتعالى كتب التوفيق في هاتين المهنتين -لأهميتهما- فقط لمن يحافظ على أخلاقيات المهن ويتمثلها. جدد نيتك مع الله، يصلح الله لك أمرك.
  • كما ذكرت لك سابقًا، السوق اليوم يعج بآلاف المدربين والأساتذة، فما الذي يميزك عن غيرك؟ اسأل نفسك ما هو الشيء الذي سوف يجعل الناس تطلب هذا العلم لديك وليس لدى غيرك؟ قد يكون دقة المعلومة العلمية الصحيحة والإضافات التي تأتي معها، وقد يكون أسلوبك السهل الممتنع في شرح المعلومات وإيصالها بأبسط طريقة وقد يكون شغفك وحماسك ونظرتك التي تلمع وأنت تلقي ما لديك من معلومات على أسماع متدربيك وقد تكون كل هذه الأمور مجتمعة وزيادة. ابحث عما يميزك.
  • كن أنت الرائد، حاول دائمًا أن تبقى على اطلاع بآخر ما استجد في الموضوع الذي تقوم بالتدريب عليه، وأن تكون لديك دائما المعلومة الجديدة فالمتدربين، لا يحبون أن يكون المدرب كآلة التسجيل التي تقوم بتكرار وإعادة النص المحفوظ.
  • جرب دائمًا أمثلة جديدة وأساليب جديدة في الشرح ونوّع قدر الإمكان، فالناس ليسوا على قدر واحد من الذكاء والفهم، بعضهم سمعي والآخر بصري والآخر عملي وخير ذلك أن تجمع الأمور كلها.
    استمع جيدًا وبتواضع إلى ما يقوله المتدربون، وإياك أن تهزأ بسؤال أو تعليق أو إضافة، فكثير من الأحيان تتفاجأ بأن من في الحضور من لديه خبرة ومعرفة أكبر منك في مجال معين أو دقيقة من الدقائق فاستثمر ذلك لصالحك وصالح باقي المتدربين.
  • احرص على تطوير مهارات الإلقاء لديك، أذكر أنني عندما حضرت أول دورة لتدريب المدربين في عام 2001 ذكر لنا المدرب أن مهنة التدريب تتشابه كثيرًا مع مهنة التمثيل، تعلم كيف تقوم بالدخول الصحيح إلى المنصة أو الصف وأين تقف ومتى وماذا تقول وكيف تطابق ما بين تعابير وجهك ولغة جسدك ونبرة صوتك مع ما تشرحه. تعلم كيف تنطق مخارج الحروف بشكل صحيح، فالتدريب مهنة تعتمد على التواصل اللفظي وغير لفظي والمباشر وغير مباشر ولا بد من ان تتقن جميع هذه الأساليب.

 

أخيرًا لا أخفي عليكم، أنني أعيش حالة من الإحباط لما وصل إليه التدريب في عالمنا العربي خاصة ولذا قررت أن أضع لنفسي هدفًا جديدًا يتمثل في إعادة تعريف وإنشاء مهنة التدريب بمشروع جديد، أرجو أن أوفق إليه بدعائكم في ظهر الغيب.

 

شاركوني آراءكم في مهنة التدريب لعلنا نرتقي معًا بها.

3 تعليقات

  • فاطمة القاضى

    بالتوفيق باذن الله

  • حامد متولي

    عبارات رائعة
    أرجو لك التوفيق من الله

أرسل تعليقك