عن التفاوض

عن التفاوض

الهواء عليل في مثل هذا الوقت من السنة و الجو صاف. إنها آخر أيام الربيع قبل أن يدخل الصيف بحره فتذهب جل أوقاتنا تحت ذلك الجهاز السخيف “مبرد الهواء”. مداعبة النسيم العليل لوجهي يجبرني على استحضار ذكريات الماضي في وطن أصبح بعيداً و لا أدري متى تسمح لي الظروف بزيارته مرة أخرى.

لا شك أن مفاوضي قد أجاد اختيار مسرح التفاوض، فأنا بالفعل مستمتع بوجودي لدرجة أنني بدأت أنسى أن مفاوضي قد تأخر ما يزيد عن العشرة دقائق و الحقيقة أنني عادة ما أترك مفاوضي يختار المكان و الوقت فأنا أرغب في جعله يشعر بالراحة لأقصى حد ممكن، كي أصل إلى ما أريد.

أشعر بيد تربت على كتفي من الخلف، فألتفت مبتسماً لأجد من كنت أنتظره مبتسماً ابتسامة عريضة وإن ظهرت عليه بعض مظاهر التعب و الحر. يبدو أنه كان يقود سيارته لفترة طويلة. تعانقنا و تبادلنا التحايا ثم جلس و دخل مباشرة في الموضوع، “باشمهندس، لقد مضى زقت طويل و لازلت في انتظار ردكم”.

ابتسم ثم أقول “مهلاً يا صديقي فيم العجلة؟ ماذا تريد أن تشرب؟” فأنا أعرف أن التفاوض سيستغرق بعض الوقت و آخر ما أريده أن يتخذ مفاوضي موقفاً عكس الذي أريده بسبب ضيق داخلي أو عدم ارتياح.

في انتظار عصير البرتقال تعمدت أن أسأل محاوري عن أشياء لا علاقة لها بما جئنا بصدده اليوم، و هذه من طبيعة المفاوض الشرقي عموماً فهو يفضل عدم تجاوز الشكليات و يساعد ذلك في تآلف القلوب.

و عندما وصل العصير و تأكدت من قراءتي لعيني و لغة جسد محاوري أنه في قمة الارتياح بادرته معتذراً عن تأخري في الرد على عرضه مع تأكيدي على حرصي على التعاون سوية مع شخص محترم مثله و أتبعت قائلاً “عزيزي، أنا أثق بكم تمام الثقة ولو كان الأمر يرجع لي لربما ما ترددت في قبول عرضكم، لكن كما تعرف فإن الأعمال تتعلق بالمخاطر و إذا أردنا أن نصل إلى اتفاق فيجب أن يكون هناك توازن في المخاطر التي يتحملها كل طرف. إن العرض الذي تقدمت به على كونه منصفاً فإنه يحملنا عدداً أكبر من المخاطر التي سوف نتحملها، لذا وضعت خيارين لكم”

من المهم بمكان أن تفكر دائماً خارج الصندوق بخيارات مختلفة تحقق رضا الطرفين. إعطاء المفاوض خياراً واحداً يعني حشره في زاوية و بالتالي يعتبر نفسه مهزوماً إن وافق. أعطه خيارات لكي يشعر أنه لا زال صحاب القرار و المبادرة

مراقبة لغة الجسد و العينان مهمة جداً للمفاوض المحترف، فهي تعطيك إشارة البدء أو التوقف أو المتابعة فيما تريد أن تقوله. أقرأ في عيني محاوري نوعاً من خيبة الأمل و لذا أتابع مع الخيار الأول و الذي لا أحبذه شخصياً “هذا الخيار يا صديقي منصف للطرفين، تسهيلات في السداد مع عملية انتقال سلسة تضمن عدم حصول هبوط في الأعمال و المبيعات” يرد محاوري مندفعاً “لا أوافق أنا بحاجة إلى الانتهاء من هذه الصفقة بأسرع وقت ممكن” ثم يخرج من جيبه ورقة صغيرة طبع عليها مجموعة من الأرقام “انظر هذه مبيعاتي في يوم واحد، إنها تعدل نصف ما أطلبه منكم لإتمام الصفقة” بيني و بين نفسي أنا لا اهتم ابداُ بهذا الشيء، فالمبيعات لا تعني أرباح ولو كانت تعادل قيمة الشركة كاملة. محاولة مفاوضي للتأثير على قراري بعرض الأرقام لم تكن موفقة في هذه الحالة لأن أرقامه ليست ذات معنى.

“لا بأس، دعنا ننتقل للخيار الثاني، أنا متأكد أنه سيعجبك. ماذا لو قلت لك أنك ستحافظ على ملكية الشركة و تضيف لها منتجات جديدة و مبيعات جديدة بدون أي تكلفة إضافية تتحملها؟” تلمع عينا محاوري فأعلم أنني قد حصلت على انتباهه تماماً

من المهم جداً أن تعرض خيارك بثوب مناسب و مغري. طريقة العرض هذه قد تكون الفاصل ما بين نجاح التفاوض أو فشله. ركز دائماً على مالذي تريد أن تقدمه للطرف الآخر ولماذا يجب أن يوافقوا

“حسناً. كيف يكون ذلك؟” يقول و هو يمد يده إلى عصير البرتقال وقد بدا أن الأمر أثار اهتمامه “سنعمل على إضافة خطوط إنتاج جديدة نقوم نحن بتشغيلها بمواردنا البشرية و معداتنا و نتحمل كافة التكلفة بما في ذلك التسويق، مقابل نسبة نتفق عليها. ملكية هذه الخطوط بما فيها لنا، بينما ستوفر أنت لنا المكان والغطاء القانوني و التنظيمي و تشاركنا في التسويق و الأعمال اللوجستية”

ركز على عرض الخيار باختصار، أنت الآن تبحث عن موافقة مبدئية قبل أن تخوض في التفاصيل. صحيح أن الشيطان يكمن في التفاصيل، لكن لندع مسألة عبور الجسر لحين الوصول إليه

يعود محاوري بكرسيه إلى الخلف إشارة إلى عدم الرضا أو ربما التفكير ويطرق برأسه ثم يقول “لا، لا أوافق”

قراءتي للغة جسده تقول أنه فقط متردد ويحتاج للتفكير قليلاً.

فابتسم و أنظر إليه قائلاً “ألا ترى أنك استعجلت الرفض؟ دعنا من العمل و لنركز الآن على الاستمتاع بهذا الجو الجميل و العصير البارد”

أسأله عن أخبار رحلاته و كيف يمضي أوقاته في السفر، لكي أتيح لعقله الباطن أن يتمعن في الأمر،  ثم أعود فأقول” هل من الممكن لو تكرمت أن تشرح لي لماذا لا توافق على الخيار الثاني، فلو كنت أنا مكانك لوافقت”. يتحرك محاوري يميناً ويسرة كمن يبحث عن شيء فلا يجده، فأعلم أنه لا توجد اعتراضات حقيقية لديه، ثم اتبع الكلام قائلاً “هذا أقصى ما أستطيع أن أقدمه لك، فكما تعلم شركائي لازالت لديهم شكوكهم و قد لا يبقى هذا العرض قائماً لفترة طويلة”

أحياناً التمليح بوجود فترة محددة لقبول العرض أو رفضه يساعد في اتخاذ القرار وهذا ما كنت أعول عليه

ينظر إلي محاوري طويلاً ثم يبتسم ويقول “أنت ذكي جداً يا باشمهندس” فأرد بابتسامة أكبر” أنا أتعلم منك يا أستاذي”

يجب دائماً أن تتواضع أمام محاورك وأن تشعره بأنه هو المنتصر

يمد يده مصافحاً و يقول “على بركة الله تعالى”

أرسل تعليقك